أنا والصدمات التي لا أعرفها بعد

لم أبدأ رحلتي مع مفهوم الصدمات المتوارثة من كتاب علمي أو دورة متخصصة بل من تجاربي مع الحياة. كنت أواجه نفس التحديات مرارًا وتكرارًا وأعمل بجد لأغير عاداتي، ثم أجد نفسي في نقطة البداية حين يتعلق بسلوك معين أو ردود فعل لا أفهمها تمامًا ولم استطع التخلص منها منذ الأزل، بالرغم من الكثير من المحاولات!

وتلك التجارب كانت تخلق الكثير من المشاعر السلبية وخيبات الأمل.. كنت أسمع عن البرمجة اللاواعية التي تحدث في مرحلة الطفولة، لكن لم اتعمق في الموضوع لأني كنت مقتنعة بأهمية النظر الى الحاضر والمستقبل. ثم اكتشفت ان الاشياء التي يصعب تغييرها والتي نشعر بالغضب الشديد اتجاه انفسنا حين نواجهها هي جزء لا يتجزأ من البرمجة اللاواعية والصدمات التي تنتقل من جيل الى جيل دون وعي من الأباء والأمهات على حد سواء.

ولا اعني هنا بالضرورة الصدمات الكبيرة كالحروب وفقدان الاحبة، بل الصدمات الصغيرة التي تؤثر في التنشئة ونظرتنا الى أنفسنا والحياة – خصوصا أن الأهل والأجداد في منطقتنا العربية لم يعيشو حياة سهلة مليئة بالورود.

 وهنا بدأ سؤال جوهري يلح علي: كم من حياتي وكينونتي هو أنا فعلًا وكم منه هو صدى لصدمة أو برمجة قديمة انتقلت لي دون وعي؟

ما المقصود بالصدمات المتوارثة بين الأجيال

الطبيب الكندي غابور ماتي يقول إن الصدمة ليست ما حدث لنا، بل ما يحدث داخلنا نتيجة لذلك الحدث. يتحدث د. ماتي عن أن الصدمة في أغلب الحالات متعددة الأجيال، وهي سلسلة تمتد من الماضي إلى المستقبل، من الوالدين إلى الأبناء. ونحن من دون وعي نعيد في بيوتنا نفس الأنماط التي تأثرنا بها عندما كنا صغارًا. وهذا لا يعني أن أهلنا سيئون أو مخطئون بل يعني أن ما لم يشف في جيل ما يتحرك تلقائيًا إلى الجيل الذي يليه. وأنا وأنت نعرف حجم الضغوط التي نشأ وترعرع فيها الأهل وما زلنا نحن أنفسنا نمر بالكثير من التحديات التي تشبه بعضها البعض.

حين يغضب الطفل

مثال واقعي على صدمات صغيرة أكاد أجزم أن الجميع تعرض لها في الطفولة – حتى لو سقطت تلك الذكريات من العقل الواعي. كثيرٌ منّا تربّى على أن الغضب شيءٌ سيّئ، الطفل الذي يصرخ أو يقول “لا” يُعتبر قليلَ أدب، والطفل الغاضب يُعاقَب، يُصرخ عليه، يُرسَل إلى غرفته، يُهدَّد، أو يُحرَم من شيءٍ يحبّه.

من منظور الأهل، الغضب يعني قلّة احترام (وليست مشاعر طبيعية يمر بها أي طفل)، لكن من منظور الطفل يحدث شيءٌ مختلف، عندما أغضب أفقد حبّ أهلي وأمانهم، أتعرض للعقاب! إذًا من أجل أن أبقى محبوبًا وبدائرة الأمان، يجب أن أدفن غضبي. فيكبر هذا الطفل وهو لا يعرف كيف يعبّر عن حدوده، يشعر بالذنب عندما يقول “لا”، يخاف من المواجهة، ويميل إلى إرضاء الآخرين ولو على حساب نفسه. غابور ماتي يربط بين قمع المشاعر، خصوصًا الغضب، وبين زيادة القابلية للأمراض المزمنة والمناعية – كما أظهرت العديد من الدراسات، لأن الغضب الصحي يعمل مثل جهاز مناعي عاطفي يحمي حدودنا، وعندما يُقمع الغضب باستمرار يتأثّر الجسد بأكمله. 

الفطرة والحدس الداخلي مقابل البرمجة اللاواعية

الطفل من أقرب الكائنات للفطرة السليمة، ومن أقوى الدوافع الفطرية للطفل هو حاجته للأمان والقرب من والديه ومقدمين الرعاية والحماية له. فالطفل مستعد دائمًا أن يتخلى عن جزء من كينونته ليحافظ على قربه من والديه وشعوره بالأمان. لأن التعلق بالأهل بالنسبة للطفل مسألة بقاء.

وهنا تبدأ البرمجة اللاواعية: اذا بدأت بالصراخ سوف أعاقب، وحين أعاقب ساصرخ أكثر وحين يفقد الوالدين زمام الأمور، أتعلم أن الأمان هو أن أفقد أتصالي مع مشاعري وفطرتي التي خلقت عليها. بالطبع هذا مثال واحد يطلعنا على كيفية تشكل البرمجة والية تأثير الاحداث في حياتنا التي قد تخلق الصدمة، فالصدمة هنا كجرح مفتوح لم يشفى بعد, أو كصخرة نحملها دون وعي ولم نستطع التخلص منها بعد.

من الأهمية أن نشير الى ما تحدث به ابن خلدون في كتابه “مقدمة ابن خلدون” عن التنشئة، فهو ينتقد أسلوب القسوة في التعليم والتربية، ويقول إن الإكثار من العقاب والقهر يولّد في نفس الطفل الكسل، الخوف، والكذب، ويفسد ملكة الفهم والإبداع، وإن العادات الاجتماعية تُمارس نوعًا من الضغط على الأفراد، فالتخلص من انماط التنشئة السلبية هي واجب على الأهل المربّين. وهنا تعلمت أن التشافي ليس نوع من أنواع الترف، وكسر الانماط والصدمات المتوارثة ليست مفاهيم الخوض فيها يعبر عن رفاهية الفرد و المجتمع، بل هي واجب علينا حتى نتخلص من الصخور التي تثقلنا، فنصبح أكثر عطاءا ومحبة.

لسنا مسؤولين عمّا حُمّلنا لكننا مسؤولون عمّا نورّثه وعن تشافينا

لنعود لمثال غضب الاطفال، حين يغضب الطفل ويصرخ ماذا نفعل؟ ان لا نبادله بالمثل.. الصراخ والغضب. ان نحتويه، ونكون مصدر الهدوء ولامان بالنسبة له, ونعلمه شيئا فشسئا كيف يعبر عن تلك المشاعر، فالطفل الذي لم يتعلم النطق بعد، ليست لديه ادوات واضحة يعبر بها، ونحن الكبار لا ندري ماذا يحدث داخل عقل الطفل وفي جسده حتى نحكم عليه ونعاقبه اذا بدأ بالصراخ. وحين بكبر بضع سنوات، هو لم يزل في تلك المرحلة التي يحاول فيها ان يفهم مشاعره والتعبيرعنها. ذلك الطفل ذو الخمس سنوات الذي يذهب الى مدرسة جيدية قد يبدأ في البكاء، قد يرفض ان يخرج من البيت، قد يشعر بألم في المعدة. هنا في ذلك الموقف هو لا يستطيع أن يقول لنا: أنا خائف، متوتر، اشعر بعدم الأمان.

قد يتساءل المربّون مرارا في تلك الرحلة: ماذا نفعل؟ الاطفال هم المعلمون الحقيقيون.. يعلمونا الصبر، الهدوء وقت العاصفة، العطاء، الضحك والفرح, ويلهمونا أن نصبح أشخاصا أفضل لهم ولأنفسنا وللبشرية جمعاء.

والوجه الآخر للعملة هو أننا نستطيع أن نتحرر من عقدة الذنب والغضب تجاه أنفسنا عندما لا نتمكن من مواجهة التحديات كما نرغب أو نتوقع — ما دمنا نحاول بصدق أن نعمل ونجتهد لنصبح أشخاصًا أفضل. وأن نواصل المحاولة، مرة بعد مرة، كي لا نحمل أعباء ما ورثناه، فنمهد الطريق للجيل القادم أن ينشأ بفطرة سليمة وروح تملئها الشجاعة والسلام.

د. أسماء جهامة

2025

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *